المحضار.. عشر سنوات من الحضور في الغياب 02-03-2010 01:30 AM 
حسين أبوبكر المحضار هذا الديوان الشعري الفريد بأصواته وإيقاعاته، وألوانه التعبيرية المتفردة، كان ومازال وسيظل، إلى ما شاء الله، متناً جمالياً يدنو منه المتلقون قراءَ وباحثين ودارسين ومتذوقين من مشارب فنية شتى، ومستويات ثقافية متعددة، واهتمامات واختصاصات معرفية مختلفة، ينهلون من مناهل إبداعه الثر، وكلما حسب أحدهم أنْ قد أوشك يرتوي، تفجرت من حوله ينابيع أخرى، فتملكته الدهشة والعجب معاً!.
ومازال بعشاق المحضار من مفعولات الدهشة والعجب، والاستمتاع الجمالي، ما لعله يغري أجيالهم متعاقبةً، فتظل تحاول الاقتراب من تخوم أسرار هذا الديوان الشعري الفريد، بأصواته وإيقاعاته، وألوانه التعبيرية المتفردة.
وفي الذكرى العاشرة لحضوره المتجدد في الغياب (5 فبراير 2010م)، يطل علينا من شرفة الغياب حضوراً شفيفاً، ومازال نصه المغنى وغير المغنى ملاذاً جمالياً، ورؤية تعبيرية تستغور، وتجيب عن تساؤلات الحاضر وتعبر عن تفاصيله بمجملات ومضمرات الرموز والصور والرؤية الشمولية التي تختزل بالفن أشتاتاً في الزمان والمكان. ويظل اقتراب عشاقه من فنه غايةً تتجدد وتحكي صورة من صور الوفاء للشاعر الذي هدهد شعرياً دموع العشاق وطرب لابتساماتهم وهزه حنينهم ولوعته أشجانهم وأبكاه وداعهم، ومسرَحَ حياتهم وقضايا التحولات الاجتماعية من منظور تحديثي.
على أن تجدد الذكرى يستوقفنا لنتأمل المشهد الذي كان المحضار في الصميم منه، ويستوقفنا تعبيره عن الأحداث التي عاصرها متجاوزاً صخب اللحظة بحس شعري عالٍ يتماس ويتماهى مع جمهور المتلقين، مرتفعاً بأذواقهم ورؤاهم، حتى باتوا على موعد مع نهاراته الشعرية التي يرون فيها صورتهم وصورة الحدث في دلالته غير العابرة.
وإزاء ذلك يبدو لي أن دواوين المحضار - ومثلها دواوين الشعراء الأخرى التي يجمعها محبوهم - يمكن تصنيف نصوصها غير التصنيف الجمعي الذي أخرجت به للمتلقين، فثمة خصوصيات ينبغي مراعاتها عند إخراج الديوان الشعري أظنها كانت غائبة عند جمع النصوص، لكن أمراً كهذا ليس بالعسير، ولعله من الضرورة بمكان عند إعادة طباعة دواوينه لتصدر مجموعة في أعماله الشعرية الكاملة، كي يكون لكل مجموعة سمتها الدلالي والتعبيري المختلف، وكي لا تبدو مجرد نصوص متجاورة على غير رؤية، وهو - على أية حال - ليس من صنيع الشاعر، وإنما هو من اجتهاد الجامعين مجتهدين مخلصين.
إن إعادة تصنيف النصوص وربما إعادة توزيعها في مجموعات مستقلة هو من عمل الدارسين، وسيسهم في تقديمها وفق تصور موضوعي وفني، مؤطر بانسجام في الحيز والجمال.
وكغيره من الشعراء المدهشين مازال إبداعه بعيداً عن الدرس النقدي والفني منهجياً، إلا من دراسات جزئية متفرقة، هنا وهناك، اجتهد أصحابها في استجلاء زوايا معينة وظواهر بارزة.
وإذا كان دارسوه قد حاولوا استكناه أسرار نصوصه الشعرية، فإن استكناه أسرار إيقاعاته وألحانه، مازال بعيداً بعيداً عن المتناول. وأذكر في هذا السياق ما أفضى به إليَّ الفنان الموسيقار د.عبدالرب إدريس من نية في الكتابة عن أغاني المحضار من زاوية موسيقية، منهجياً، لكنه ظل يؤجل مشروعه لظروف موضوعية، عاماً بعد آخر.
إن كتابة كتلك ضرورية جداً، وأتمنى على د.عبدالرب أن يفرد لها من وقته مساحة كي ينجز دراسة مهمة لا تقبل التأجيل، لأسباب كثيرة، لعل أبرزها أن د.عبدالرب منتمٍ إلى البيئة الموسيقية التي أبدع فيها المحضار أغانيه واستلهم منها إيقاعاته، فضلاً عن كونه متخصصاً أكاديمياً وفناناً كبيراً، وعلى دراية بخلفياتٍ ثقافية ربما تكون مستغلقة على دارس موسيقي متخصص من خارج تلك البيئة.
وأذكر في السياق نفسه حديثاً دار بيني وبين الموسيقي المبدع الملحن أحمد مفتاح (سي أحمد) عن الفنان المتعدد المواهب الراحل علي سعيد علي، إذ طلبتُ إليه أن يكتب عن ألحانه، فوصفه بالخطير على مستوى التلحين، ومازال وعده بإنجاز دراسة عن ألحان علي سعيد قائماً, فـ(سي أحمد) كعبدالرب، كلاهما خبير بأسرار وخلفيات موسيقية وتراثية وتاريخية، وهما من أقدر من يستطيع إنجاز دراسات عميقة كهذه.
هي، إذن، تداعيات أشتات ظلت تلح عليّ في الذكرى العاشرة للرحيل، إزاءَ صفةٍ عميقة الدلالة كثيراً ما يلهج بها شقيق المحضار الفني الأصيل الفنان أبوبكر سالم بلفقيه، إذْ يردد أن المحضار محضارٌ دائماً.. ونظل نراه ممتداً في الزمان والوجدان والذاكرة، مبدعاً استثنائياً بجدارة فنية عالية. |
خدمات المحتوى
| الدكتور سعيد سالم الجريري تقييم
|